بسم الله الرحمن الرحيم<?xml:namespace prefix = o ns = "urn:schemas-microsoft-com:office:office" /><o:p></o:p>

إن الحمد لله نحمده ، ونستعينه ، ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد<SUP> </SUP>أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأ شهد أ ن محمداً عبدُه و رسولُه .<o:p></o:p>
]يَاأَيها الذين آ مَنُوا اتقُوا اللهَ حَق تُقَا ته ولاتموتن إلا وأنتم مُسلمُون[ ، ]ياأيها الناسُ ا تقوا الله ربكم الذى خلقكم من نفس واحدة وخلق منها ز وجها وبث منهما رجالاً كثير اً وَ نساءً واتقوا الله الذى تساءلُونَ به والأ رحام إن الله كان عليكم رقيباً[ ،]يَا أ يها الذين آ منوا اتقوا الله وقولوا قَو لاً سَديداً يُصلح لَكُم أَ عما لكم وَ يَغفر لَكُم ذُ نُوبَكُم وَ مَن يُطع الله وَ رَسُولَهُ فَقَد فَازَ فَوزاً عَظيماً[ أ ما بعد ..<o:p></o:p>


يقول الله سبحانه مبيناً فضل أهل العلم ومكانتهم : ] فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون [ ، ويقول سبحانه : ] إنَّما يخشى الله من عباده العلماء [ ، ويقول : ] يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات [ ، ويقول عز وجل : ] شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائمًا بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم [ .

موضوع العالم والتمييز بين العالم والجاهل ، أو العالم والمتشبع ، موضوعٌ دائما مايثار ويطرح على المجالس العامة والخاصة ، بل وفي واقع الحياة ، لحاجة الناس إليهم ، والرجوع لهم في أمور معاملاتهم وأموالهم وأعراضهم وأنفسهم وماشابه ..

الموضوع هو كما علمتم من اسمه : [ من هم العلمـاء ] ..

بإختصار أقول : إن الإغترار بمن يصفهم العامة والرعاع بالعلماء ، أمر قديم العهد له جذوره ، يذكر لنا الحافظ ابن رجب الحنبلي في كتابه [ فضل علم السلف على علم الخلف ] هذا الأمر ويجليه لنا، فيقول : ( وقد ابتلينا بجهلة من الناس يعتقدون في بعض من توسَّع في القول من المتأخرين أنه أعلم ممن تقدم ، فمنهم من يظن في شخص أنه أعلم من كلِّ من تقدم من الصحابة ومن بعدهم ؛ لكثرة بيانه ومقاله ، ومنهم من يقول هو أعلم من الفقهاء المشهورين المتبوعين ) ! ..

وبعد أن لمّحَ وصرحَ رحمه الله بالأئمة الثقات ، كالثوري ، والأوزاعي ، والليث ، وابن المبارك قام رحمه الله يلزمهم بقولهم ، فقال : ( فإنّ هؤلاء كلهم أقل كلاما ممن جاء بعدهم ، وهذا َنَقُّص عظيم بالسلف الصالح ، وإساءة ظن بهم ، ونسبتهم إلى الجهل وقصور العلم ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ) ...

وعند ذكره لأثر ابن مسعود رضي الله عنه : ( إنّكم في زمان كثير علماؤه قليل خطباؤه ) ، قال : ( وسيأتي بعدكم زمان قليل علماؤه كثير خطباؤه ، فمن كَثُرَ علمه ، وقَلَ قوله ، فهو الممدوح ، ومن كان بالعكس فهو مذموم ) . انتهى كلام الحافظ ابن رجب رحمه الله .

[ قلت : الحافظ لم يعش إلى زمننا هذا ، وإلا لكان القول أغلظ والخطب أمر ، فالله المستعان ].


..................................


يستمر الحافظ رحمه الله بإتحافنا بعلامات يتميز بها أهل الفضل والعلم الذين ورد الشرع بفضائلهم وبتزكيتهم فيقول رحمه الله : من علاماتهم :

إنّهم لا يرون لأنفسهم حالا ولا مقاما ، ويكرهون بقلوبهم التزكية و المدح ، ولا يتكبرون على أحد ، وأهل العلم النافع كلما ازدادوا في العلم ازدادوا تواضعا لله ، وخشية وانكسارا وذُلاًّ.

ومن علاماتهم أيضا ، الهرب من الدنيا ، وأولى ما يهربون عنه منها الرِّياسة والشُّهرة والمدح ، فالتباعد عن ذلك والاجتهاد في مجانبته من علامات أهل العلم النافع ، فإنْ وقع شيء من ذلك - يعني الرياسة أو الشهرة أو المدح - من غير قصد واختيار ، كانوا على خوف شديد من عاقبته ، وخشوا أن يكون مكرا واستدراجا ، كما كان الإمام أحمد رحمه الله يخاف ذلك على نفسه ، عند اشتهار اسمه وبعد سيطه .

ومن علاماتهم أيضا ، أنهم لا يدّعون العلم ، فلا يفخرون على أحد ، ولا ينسبون غيرهم إلى الجهل ؛ إلا من خالف السنة وأهلها ، فإنهم يتكلمون فيه غضبا لله ، لا غضبا للنفس ، ولا قصدًا لرفعتها على أحد .


ومن علاماتهم أيضا ، أنهم سيؤون الظن بأنفسهم ، ويحسنون الظن بمن سلف من العلماء ، ويقرون بقلوبهم وأنفسهم بفضل من سلف عليهم ، وبعجزهم عن بلوغ مراتبهم والوصول إليها أو مقاربتها ، وكان ابن المبارك إذا ذَكر أخلاق من سلف ينشد : لا تعرضن بذكرانا لذِكـرهم ..... ليس الصحيح إذا مشى كالمُقعـد

ولعل في هذه العلامات ما يستطيع به العامِّي وأمثاله أن يميز بين من يستحق أن يُطلق عليه لفظ العالم ممن لا يستحق هذا اللفظ ، والفائدة المَرْجُوَّة من هذا التمييز ، هي الأخذ عن أهل العلم النافع دون من عَدَاهم ، من متكلم فصيح ، و كتاب كبير ، ممن ليس من أهل العلم . إهـ

..................................


وأزيد : من هو العالم ؟؟
عقد الإئمة في أماليهم ومصنفاتهم أبوابا خاصة في مميزات وصفات أهل العلم ، فقد ذكرنا فيما سبق أقوال لامعة في سماء السنة للحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله ..
بل أن الحافظ ابن عبد البر رحمه الله تعالى في كتابه القيم النافع [ جامع بيان العلم وفضله ] عقد بابا صريحا في هذا الموضوع سمه بـ ( فيمن يستحق أن يسمى فقيها أو عالما ) .

..................................


ليس العالم يا إخواني من ملك الفصاحة والبلاغة في خطبه ومحاضراته ، وليس العالم من ألّفَ كتابا أو نشره ، وليس العالم من حقق مخطوطة أو أخرجها .
أصبحت هذه الأمور موازين عند كثير من العوام والمنعالمين ، فتجدهم يحبون من إتصف بهذه الأوصاف ، ويدافعون عنه أيا كان مقصده أو منهجه ..
نعم هذه الأعمال هي وإن كانت كمال للعالم الحقيقي ، إلا أنها ليست بميزانٍ ، ولا بمقياس دقيق في تديد مفهوم العالم وهويته .

..................................


أقول بارك الله فيكم ..
العالم في الحقيقة هو من عَلِمَ وتعلم قبل أن يُعلِم أو يعمل ، قال تعالى : ]فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك [ ، وعليه بوب البخاري رحمه الله [ بابٌ العلم قبل القول والعمل ] ، العالم من ذاب وأختلط دمه وتجانست أنفاسه مع العلم الشرعي ، علم أهل السنة فقط ، العالم هو من ألَمَّ بمجمل أحكام الكتاب والسنة ، عالما بناسخها ومنسوخها ، بمطلقها ومقيدها ، بمجملها ومفصلها ، العالم من ألَمَّ بشيء بإجماع السلف وإختلافهم ، العالم فوق ذلك كله هو من جاهد ونافح عن كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم دفاعاً مستميتاً ، يرد الباطل ، وينصر الحق ، يدافع بالحجج الدامغة ، والبيان الواضح الجلي ، قال سبحانه واصفاً العلم بالسلاح ، والعالم بالمجاهد : ] ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرًا فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادًا كبيرًا [ ، قال ابن القيم رحمه الله في كتابه [ مفتاح دار السعادة ] ، حول هذه الآية : ( فهذا جهاد لهم بالقرآن ، وهو أكبر الجهادين ، وهو جهاد المنافقين أيضًا ، فإن المنافقين لم يكونوا يقاتلون المسلمين ، بل كانوا معهم في الظاهر ، وربما كانوا يقاتلون عدوهم معهم ، ومع هذا فقد قال تعالى : ]ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرًا فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادًا كبيرًا [ ، ومعلوم أنَّ جهاد المنافقين بالحجة والقرآن ، والمقصود أنَّ سبيل الله هي الجهاد وطلب العلم ، ودعوة الخلق به إلى الله ) .

أقول : إذا فهم لم يأخذوا علمهم هذا وشرفهم بين ليلة وضحاها ، ولم يأخذوه من أقوال منظري الأفكار والجماعات ، ولم يأخذوه من أفواه أعداء الأمة وساستها ، ولم يستشهدوا بسائق هولندي في بكين ، ولا بصيحات وآهات تحت ثلوج سيبيريا ، ولم ينزلوا آيات الله لتخدم نضرياتهم وإعجازهم وحوادثهم الكونية ، ولم يداهنوا حاكما أو محكوما في أمر من أمور الشريعة ، ولم يتحامقوا بإصدار فتاوى تهرق الدم الحرام ، وبعد ذلك يعتذرون للناس برجوعهم عن فتواهم بعد ذهاب أمة ..

العلماء أجل وأتقى وأنقى من ذلك كله ..
العلماء همهم أصول سنتهم وعقيدتهم ، لا أصول قلوب الناس وعواطفهم ..

قال الإمام الشاطبي رحمه الله في [ الإعتصام ] : ( والعالم إذا لم يشهد له العلماء فهو في الحكم باقٍ على الأصل من عدم العلم ، حتى يشهد فيه غيره ، ويعلم هو من نفسه ما شهد له به ، وإلا فهو على يقين من عدم العلم ، أو على شك ، فاختيار الإقدام في هاتين الحالتين على الإحجام لا يكون إلا باتباع الهوى ، إذ كان ينبغى له أن يستفى في نفسه غيره ولم يفعل ، وكل من حقه أن لا يقدم إلا أن يقدمه غيره ولم يفعل ) .

وقد علق على قول الشاطبي المتقدم العلامة الألباني رحمنا الله وإياهم ، كما في[ الصحيحة ] حيث قال : ( هذه نصيحة الإمام الشاطبي إلى العالم الذي بإمكانه أن يتقدم إلى الناس بشيء من العلم ، ينصحه بأن لايتقدم حتى يشهد له العلماء خشية أن يكون من أهل الأهواء ، فماذا كان ينصح يا ترى لو رأى بعض هؤلاء المتعلقين بهذا العلم في زماننا هذا ؟ لاشك أنه سيقول له : " ليس هذا عشك فادرجي " فهل من معتبر ؟!! و إني و الله لأخشى على هذا البعض أن يشملهم قوله صلى الله عليه وسلم " ينزع عقول أهل هذا الزمان ، و يخلف لها هباء من الناس يحسب أكثرهم أنهم على شيء و ليسوا على شيء " و الله المستعان ) . اهـ .

وفي شريط [ الأمالي الجامية على الأصول الستة ] للعلامة الجامي رحمه الله تعالى نجد قوله : ( إذا علِمنا العلم ، علِمنا العلماء ممن يحملون هذا العلم النافع ، والعلماء الربانيون الذين يربون صغار الطلبة بصغار العلم ، ثم يتدرجون معهم حتى يتفقهوا في دين الله ، لا يبدؤون بالمطولات ، يبدؤون بالمختصرات حتى يصلوا إلى المطولات ، يربوهم بالتدريج ، هؤلاء هم العلماء الربانيون المربون ) .


قال العلامة محمد بن صالح العثيمين في شرحه لكتاب [ كشف الشبهات ] : ( فلابد من معرفة من هم العلماء حقاً ، هم الربانيون الذين يربون الناس على شريعة ربهم حتى يتميز هؤلاء الربانيون عمن تشبه بهم وليس منهم ، يتشبه بهم في المظهر والمنظر والمقال والفِعال ، لكنه ليس منهم في النصيحة للخلق ، وإرادة الحق ، فخيار ما عنده أن يُلبِس الحق بالباطل ، ويصوغه بعبارات مزخرفة ، يحسبه الظمآن ماءاً ، حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً ، بل هو البدع والضلالات الذي يظنه بعض الناس هو العلم والفقه ، وأن ما سواه لا يتفوه به إلا زنديق أو مجنون ) .



فإذا تقرر ماسبق ، عرفنا العالم الرباني ، وعرفنا حقوقه علينا ، وعرفنا أنه رحمة من الله ، وعرفنا أن ما حمله من شرف الدنيا والآخرة هو حجة لنا أو علينا ، فهو أهل للإرشاد والتوجيه إلى مايحبه ويرضاه ، من الأقوال والأفعال الظاهرة منها والباطنة .


هؤلاء هم علماء أهل السنة ، فجزاهم الله خيراً وبارك فيهم وفي علمهم وأعمالهم ، ونسأل الله أن يحفظهم ، ويثبتهم ويوحد صفوفهم ، وأن يخذل الكائدين بهم وبدعوتهم ، ويفضح من حاول تفريق شملهم ، ويرد كيد من تعقرب وتنكر لهم عليه .

والله أعلم ، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

والله المستعان ..

أبو عبدالرحمن ضياء بن محفوظ الشميري
9 ربيع ثاني 1429 هـ