كتاب حلية الأولياء للحافظ أبي نعيم الأصبهاني وبيان حاله
بسم الله الرحمن الرحيم

كتاب الحلية لأبي نعيم من الكتب المنتشرة في أوساط المسلمين . وهذا الكتاب على ما فيه من الفوائد العظيمة لكن لا بد من الحيطة على ما يحتويه من كمٍّ هائل من الأحاديث الضعيفة والموضوعة .
وأحب أن يعرف القارئ عن هذا الكتاب ، وماذا قال فيه أهل العلم الفضلاء ، ليكون على بينة من أمره .
فمن هو مؤلف الكتاب ؟ ! وما هي أقوال أهل العلم فيه ؟!

مبحثان عظيمان ! .

([([( المبحث الأول : )])]) من هو أبو نعيم صاحب الحلية

باختصار أنقل لك بعضا مما قال الحافظ الذهبي عن هذا العالم : قال الذهبي في السير 17/454 :
الإمام الحافظ الثقة العلامة شيخ الإسلام أبو نعيم المهراني الأصبهاني الصوفي الأحول وصاحب الحلية . ولد سنة ست وثلاثين وثلاث مئة 336هـ . وكان حافظا مبرزا عالي الإسناد تفرد في الدنيا بشيء كثير من العوالي وهاجر إلى لقيه الحفاظ.
قال أحمد بن محمد بن مردويه كان أبو نعيم في وقته مرحولا إليه ولم يكن في أفق من الآفاق أسند ولا أحفظ منه كان حفاظ الدنيا قد اجتمعوا عنده فكان كل يوم نوبة واحد منهم يقرأ ما يريده إلى قريب الظهر فإذا قام إلى داره ربما كان يقرأ عليه في الطريق جزء وكان لا يضجر لم يكن له غذاء سوى التصنيف والتسميع . قال الخطيب قد رأيت لأبي نعيم أشياء يتساهل فيها منها أن يقول في الإجازة أخبرنا أن يبين. قال الحافظ أبو عبد الله ابن النجار جزء محمد بن عاصم قد رواه الأثبات عن أبي نعيم والحافظ الصادق إذا قال هذا الكتاب سماعي جاز أخذه عنه بإجماعهم .
قلت قول الخطيب كان يتساهل إلى آخره هذا شيء قل أن يفعله أبو نعيم وكثيرا ما يقول كتب إلى الخلدي ويقول كتب إلى وأخبرنا أبو الميمون بن راشد في كتابه ولكني رأيته يقول في شيخه عبد الله بن جعفر بن فارس الذي سمع منه كثيرا وهو أكبر شيخ له أخبرنا عبد الله بن جعفر فيما قرئ عليه فيوهم أنه سمعه ويكون مما هو له بالإجازة عند إطلاق الإخبار على ما هو بالإجازة مذهب معروف قد غلب استعماله على محدثي الأندلس وتوسعوا فيه وإذا أطلق ذلك أبو نعيم في أبي الميمون البجلي والشيوخ الذين قد علم أنه ما سمع منهم بل له منهم إجازة كان له سائغا والأحوط تجنبه حدثني أبو الحافظ أنه رأى خط الحافظ ضياء الدين قال وجدت بخط أبي الحجاج بن خليل أنه قال رأيت أصل سماع الحافظ أبي نعيم لجزء محمد بن عاصم . قلت فبطل ما تخيله الخطيب وتوهمه وما أبو نعيم بمتهم بل هو صدوق عالم بهذا الفن ما أعلم له ذنبا والله يعفو عنه أعظم من روايته للأحاديث الموضوعة في تواليفه ثم يسكت عن توهيتها . قال الحافظ أبو زكريا يحيى بن أبي عمرو سمعت أبا الحسين القاضي سمعت عبد العزيز النخشبي يقول لم يسمع أبو نعيم مسند الحارث بن أبي أسامة بتمامه من أبي بكر بن خلاد فحدث به كله فقال الحافظ ابن النجار قد وهم في هذا فأنا رأيت نسخة الكتاب عتيقة وخط أبي نعيم عليه يقول سمع مني فلان إلى آخر سماعي من هذا المسند من ابن خلاد ويمكن أن يكون روى الباقي بالإجازة ثم قال :
لو رجم النجم جميع الورى لم يصل الرجم إلى النجم
قلت كان أبو عبد الله بن مندة يقذع في المقال في أبي نعيم لمكان الاعتقاد المتنازع فيه بين الحنابلة وأصحاب أبي الحسن ونال أبو نعيم أيضا من أبي عبد الله في تاريخه وقد عرف وهن كلام الأقران نصوص محمد بعضهم في بعض . وقد نقل الحافظان ابن خليل والضياء جملة صالحة إلى الشام من تواليف أبي نعيم ورواياته أخذها عنهما شيوخنا وعند شيخنا أبي الحجاج من ذلك شيء كثير بالإجازة العالية كالحلية والمستدرك على صحيح مسلم .مات أبو نعيم الحافظ في العشرين من المحرم سنة ثلاثين وأربع مئة 430هـ وله أربع وتسعون سنة.


([([( المبحث الثاني : )])]) أقوال أهل العلم في كتاب الحلية :
  • أبو طاهر السلفي : قال ابن المفضل الحافظ جمع شيخنا أبو طاهر السلفي أخبار أبي نعيم وذكر من حدثه عنه وهم نحو الثمانين وقال لم يصنف مثل كتابه حلية الأولياء سمعناه من أبي المظفر القاساني عنه سوى فوت يسير. [السير 17/454]
  • ما نقله حمزة بن العباس : قال حمزة بن العباس العلوي كان أصحاب الحديث يقولون بقي أبو نعيم أربع عشرة سنة بلا نظير لا يوجد شرقا ولا غربا أعلى منه إسنادا ولا أحفظ منه وكانوا يقولون لما صنف كتاب الحلية حمل الكتاب إلى نيسابور حال حياته فاشتروه بأربع مئة دينار. [السير 17/454]
  • شيخ الإسلام ابن تيمية : قال ابن تيمية في كتاب زيارة القبور 1/65 عن كتاب الحلية : فإن فيه الصحيح والحسن والضعيف والموضوع والمكذوب الذي لا خلاف بين العلماء في أنه كذب موضوع وتارة يرويه على عادة بعض أهل الحديث الذين يروون ما سمعوا ولا يميزون بين صحيحه وباطله وكان أهل الحديث لا يروون مثل هذه الأحاديث لما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال من حديث عني بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين.
وسئل شيخ الإسلام في الفتاوى 18/71 : عن رجل سمع كتب الحديث والتفسير وإذا قرىء عليه كتاب الحلية لم يسمعه فقيل له لم لا تسمع أخبار السلف فقال لا أسمع من كتاب أبى نعيم شيئا فقيل هو إمام ثقة شيخ المحدثين في وقته فلم لا تسمع ولا تثق بنقله فقيل له بيننا وبينك عالم الزمان وشيخ الإسلام ابن تيمية في حال أبى نعيم فقال أنا أسمع ما يقول شيخ الإسلام وأرجح إليه فأرسل هذا السؤال من دمشق فأجاب فيه الشيخ:
الحمد لله رب العالمين أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهانى صاحب كتاب حلية الأولياء وتاريخ أصبهان والمستخرج على البخارى ومسلم وكتاب الطب و عمل اليوم والليلة وفضائل الصحابة ودلائل النبوة وصفة الجنة ومحجة الواثقين وغير ذلك من المصنفات من أكبر حفاظ الحديث ومن أكثرهم تصنيفات وممن انتفع الناس بتصانيفه وهو أجل من أن يقال له ثقة فإن درجته فوق ذلك وكتابه كتاب الحلية من أجود الكتب المصنفة فى أخبار الزهاد والمنقول فيه أصح من المنقول فى رسالة القشيرى ومصنفات أبى عبدالرحمن السلمى شيخه ومناقب الأبرار لابن خميس وغير ذلك فإن أبا نعيم أعلم بالحديث وأكثر حديث وأثبت رواية ونقلا من هؤلاء ولكن كتاب الزهد للإمام أحمد والزهد لابن المبارك وأمثالهما أصح نقلا من الحلية وهذه الكتب وغيرها لا بد فيها من أحاديث ضعيفة وحكايات ضعيفة بل باطلة وفى الحلية من ذلك قطع ولكن الذي في غيرها من هذه الكتب أكثر مما فيها فإن في مصنفات أبى عبد الرحمن السلمى ورسالة القشيرى ومناقب الأبرار ونحو ذلك من الحكايات الباطلة بل ومن الأحاديث الباطلة ما لا يوجد مثله في مصنفات أبى نعيم ولكن صفوة صفوة لأبى الفرج ابن الجوزى نقلها من جنس نقل الحلية والغالب على الكتابين الصحة ومع هذا ففيهما أحاديث وحكايات باطلة وأما الزهد للإمام أحمد ونحوه فليس فيه من الأحاديث والحكايات الموضوعة مثل ما في هذه فإنه لا يذكر في مصنفاته عمن هو معروف بالوضع بل قد يقع فيها ما هو ضعيف بسوء حفظ ناقله وكذلك الأحاديث المرفوعة ليس فيها ما يعرف أنه موضوع قصد الكذب فيه كما ليس ذلك في مسنده لكن فيه ما يعرف أنه غلط غلط فيه رواته ومثل هذا يوجد في غالب كتب الإسلام فلا يسلم كتاب من الغلط إلا القرآن... . وأما كتاب حلية الأولياء فمن أجود مصنفات المتأخرين في أخبار الزهاد وفيه من الحكايات مالم يكن به حاجة إليه والأحاديث المروية في أوائلها أحاديث كثيرة ضعيفة بل موضوعة.
  • الحافظ ابن حجر : قال ابن حجر في طبقات المدلسين 1/18 : المرتبة الأولى وعدتهم ثلاثة وثلاثون نفسا : أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق الأصبهاني الحافظ أو نعيم صاحب التصانيف الكثيرة الشائعة منها حلية الأولياء ومعرفة الصحابة والمستخرجين على الصحيحين كانت له إجازة من أناس أدركهم ولم يلقهم فكان يروى عنهم بصيغة أخبرنا ولا يبين كونها إجازة لكنه كان إذا حدث عن من سمع منه يقول حدثنا سواء كان ذلك قراءة أو سماعا وهو اصطلاح له تبعه عليه بعضهم وفيه نوع تدليس بالنسبة لمن لا يعرف ذلك قال الخطيب رأيت لأبي نعيم أشياء يتساهل فيها منها أنه يطلق في الإجازة أخبرنا ولا يبين قال الذهبي هذا مذهب رآه أو نعيم وهو ضرب من التدليس وقد فعله غيره.
  • مصطفى بن عبد الله مؤلف كشف الظنون : قال صاحب كشف الظنون 1017- 1067 في الجزء الأول صفحة 689 : حلية الأولياء في الحديث للحافظ أبي نعيم احمد بن عبد الله الأصبهاني المتوفى سنة 430هـ ثلاثين وأربعمائة مجلد ضخم أوله الحمد لله محدث الأكوان الخ وهو كتاب حسن معتبر يتضمن أسامي جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة الأعلام المحققين والمتصوفة والنساك وبعض أحاديثهم وكلامهم وصدر ذكر الخلفاء إلى تمام العشرة في الترتيب ثم جعل من سواهم إرسالا لئلا يستفاد منه تقديم فرد على فرد لكنه أطال فيه الأسانيد وتكرير كثير من الحكايات وأمور أخر منافية لموضوعه ولذلك اختصره الشيخ أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي اختصارا حسنا وسماه الصفوة وانتقد عليه بعشرة أشياء فأوجز في الاختصار لحيث لم يبقى منه إلا رسومه ثم إن صاحب مجمع الأخبار محمد بن الحسن الحسيني سلك في اختصاره مسلكا وسطا مع زيادة تراجم أئمة كما سيأتي ذكره .
  • أحمد بن جعفر : قال أحمد بن جعفر الكتاني – 1345 هـ صاحب الرسالة المستطرفة 1/140 : وكتاب حلية الأولياء وطبقات الأصفياء لأبي نعيم الأصبهاني في عشر مجلدات ضخام وتوجد في عشرين مجلدا متوسطة وفي أكثر من ذلك وفيها الصحيح والحسن والضعيف وبعض الموضوع ولما صنفها بيعت في حياته بأربعمائة دينار. ولها بركات وفضائل وللحافظ نور الدين الهيثمي ترتيب احاديثها على الأبواب سماه تقريب البغية في ترتيب أحاديث الحلية واختصرها أبو الفرج بن الجوزي وسماه صفوة الصفوة في أربع مجلدات .