الانهماك في الملهيات أسباب النكبات

خطبة جمعة: (2 من شهر ذي القعدة/ 1429هـ)
للشيخ المحدث

أبي عبد الرحمن يحيى بن علي الحجوري
حفظه الله تعالى



الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾[آل عمران:102]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾[النساء:1]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾[الأحزاب:70-71].
أما بعد:
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أيها الناس! إنه يجب على المسلمين أن تكون لديهم نباهة عن أسباب النكبات فإن أسباب النكبات كثيرة، وقد أبانها الله سبحانه وتعالى في كتابه، فما من خير إلا وأرشد إليه العباد، وما من شر إلا وحذروا منه في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا * يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾[النساء:26-28].
إن من أسباب النكبات والفتن والحسرات لهو اللهو، هذا اللهو الذي ابتلي به العباد إلا من رحم الله، يسبب للعباد نكبات في دينهم ودنياهم، لذا حذر الله سبحانه وتعالى منه، فقال عز وجل: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾[التكاثر:1-2]، وهذا على سبيل التحذير، أي: شغلكم التكاثر بالدنيا والتدافع فيها حتى متم وصرتم من أهل المقابر، والدليل على ذلك: «أن النبي صلى الله عليه وسلم عاد مريضاً، فقال: طهور طهور، قال: طهور؟! بل حمى تفور على شيخ كبير تزيره القبور، قال النبي صلى الله عليه وسلم: فنعم إذاً، فمات ذلك الشخص».
فالمقصود بقوله: ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾[التكاثر:2] حتى متم وصرتم من أهل القبور، ثم جاء بعد ذلك تهديد في هذه السورة العظيمة: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾[التكاثر:3-4]، تهديد بعد تهديد كما يقول الحسن رحمه الله، ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾[التكاثر:5]، أي: لو كنتم تعلمون علم اليقين ما حصل منكم هذا الانشغال وهذا اللهو وهذا التكاثر حتى متم، ولكن تلاشى علمكم وضعف علمكم وساء ظنكم، ونظير ذلك قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾[فصلت:22] * ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾[فصلت:23]، فهؤلاء الذين ساء ظنهم بالله سبحانه وتعالى أصبحوا من الخاسرين؛ لأن يقينهم ضعف وظنهم بالله ساء: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾[التغابن:7]، ضعف إيمانهم حتى زعموا ألا يلقوا الله سبحانه وتعالى، ضعف إيمانهم وضعف يقينهم حتى كذبوا بالساعة: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا * إِذَا رَأَتْهُم مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا * وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا * لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾[الفرقان:11-14]، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾[سبأ:3]، فالله يعلمها وأنت لا تعلمها، لا تعلم حين تقوم الساعة.
﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾[التكاثر:5]، أي: لو قوي يقينكم وعلمتم علم اليقين ما حصل منكم هذا اللهو وهذا التكاثر، ثم بين وجه التهديد الذي تقدم ذكره وتكرر مرتين، بقوله سبحانه: ﴿لَتَرَوْنَ الْجَحِيمَ﴾[التكاثر:6]، كان التهديد أنه سيريهم الجحيم وسيذيقهم العذاب الأليم، وأنهم سيرونها يقيناً كما أنهم لم يكن لهم يقيناً في هذه الدنيا بما يلقونه وما يقدمون عليه، فإن الله سيرهم الجحيم يقيناً: ﴿ثُمَّ لَتَرَوْنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾[التكاثر:7]، لابد لكم منها يقيناً ومن دخولها محققاً.
وأبان لهم أن الله سبحانه أنعم عليهم نعماً كثيرة، لم يسخروها في طاعته، فذكرهم هذه النعمة: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾[التكاثر:8]، الله أنعم عليهم بنعم لا تحصى ولا تعد: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾[إبراهيم:34]، فسخروا تلك النعم في غير مرضاة الله، سواء نعمة الجوارح التي يقول الله سبحانه وتعالى فيها: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾[الإسراء:36]، أو كانت نعم أخر التي يقول الله سبحانه وتعالى في جماعها وبيانها أنها كلها منه سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنِ اللَّهِ﴾[النحل:53]، فامتن الله عليهم بنعم، وأخبرهم أن تلك النعم التي أمدهم وأعدهم لها وأكرمهم بها؛ أنهم لم يسخروها فيما أراد الله سبحانه وشرع: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾[التكاثر:8].
لهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ هذه الآية يقول كما ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن الشخير رضي الله عنه قال: «أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ الهاكم التكاثر.. السورة، فقال: يقول ابن آدم مالي مالي، وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت»، فحصر النبي صلى الله عليه وسلم مال الإنسان في ثلاثة أمور لا يمكن أن يتعداها.
الأمر الأول: إذا أكله أكله، وربما إذا أكله من حلال نفعه وإن أكله من حرام ضره.
الأمر الثاني: إذا لبسه أيضاً هذا ماله.
الأمر الثالث: إذا تصدق به وهذا أبقى، وهذا هو المدخر، وهذا هو المقرض: ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ﴾[التغابن:17]، «وقد تصدق النبي صلى الله عليه وسلم بشاة، ثم قال: هل بقي منها شيء؟ قالوا: لم يبق منها شيء غير كتفها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بقيت كلها إلا كتفها»، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الكتف يأكله هو وأهله، ولكن الذي يتقدم أمام الإنسان هو الباقي: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾[النحل:96]، وثبت عند الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما طلعت الشمس قط إلا بعث الله بجنبتيها ملكان: فيناديان يسمعان أهل الأرض إلا الثقلين: يا أيها الناس هلموا إلى رب بكم، فإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى»، وهذا دليل على أن التكاثر في المال يلهي، وأن الذي يكاثر في المال، لا يقبل على ربه كما يقبل عليه من هو مخف ومن لا تشغله الدنيا: «فإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى»أقبلوا إلى ربكم.
فهذا دليل على أن التكاثر ملهي: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾[التكاثر:1]، والملهي الثاني: الحياة الدنيا، فالله سبحانه وتعالى جعلها على هذا الحال أنها ملهية، وأعلمهم بذلك ليحذروا من لهوها وزخرفها وزينتها قائلاً سبحانه: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ﴾[الحديد:20]، وكل صنف من هذه الأصناف، ونوع من هذه الأنواع هو لهو بذاته، الحياة الدنيا لهو سواء لها ببنايات أو بزراعات أو غير ذلك من المباحات، وهكذا أيضاً زينة، فهذا يلهو بزينته وبجماله وبجسمه وبمسكنه وبمركبه وبأهله وولده، وهكذا يلهو بالتفاخر، وأن عنده ما ليس عند فلان، ولديه ما ليس لديه وهكذا من الجاه والمنصب أو الأهل، كل هذا لهو، كل هذا من الملهيات عن الطاعات، وتكاثر أيضاً وتكاثر بينكم، فلان عنده كذا، ولماذا لا يكون للآخر كذا.
إذاً: هذا كان دافعاً له إلى أن يلهو عن الأهم الذي خلق من أجله وهو عبادة الله سبحانه وتعالى إلى أن يصل إلى مستوى الآخر، وصدق ربنا سبحانه وتعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ﴾[الحديد:20]، كلها لهو.
اللهو الثاني: الأولاد والأموال، فإن الأولاد لهو، مبخلة مجبنة، كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، يلهو به الإنسان عن الطاعات، وقد أخبر الله أنهم فتنة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾[التغابن:14]، وفي الآية الأخرى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾[التغابن:15]، فهذه فتن ملهيات، المال لهو والولد لهو، وربما هذا اللهو عن طريق السراء أو الضراء بهذا الولد، إما عن طريق مفرح به، وتقديم محبته على محاب الله سبحانه وتعالى وهذا غاية اللهو، وإما عن طريق أذى من قبله يلهيك عن طاعة الله ويشغلك عن طاعة الله وذكره، وكذا المال: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾[سبأ:37]، فليس كل المال صالحاً لك، وإنما الصالح لك والنافع لك ما لم يلهك، أما إذا ألهاك فإنه لهو وضرر عليك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾[المنافقون:9]، أأنت تريد لنفسك الخسارة؟ قد تأتيك الخسارة من أحب شيء إليك وأنت تحسب أنك تحسن صنعاً، تأتيك الخسارة من ولد، تأتيك الخسارة من أهل أو من مال أو غير ذلك، فهذا تحذير إلهي من الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾[المنافقون:9].
الملهي الثالث: طول الأمل، ما أكثر ما يلهى الناس بطول الأمل، حتى وإن كان كبيراً في السن: «قلب الشيخ شاب في اثنتين، -كبير في السن ولا يزال قلبه طامعاً في الدنيا لا يزال طامحاً فيها-: حب الدنيا وطول الأمل»، وقال: «منهومان لا يشبعان: منهوم في دنيا لا يشبع، ومنهوم في علم لا يشبع»، هذا عنده طول أمل في العلم، والآخر عنده طول أمل في دنيا، هذا طول الأمل قد ذمه الله سبحانه وتعالى إذا كان ملهياً عن ذكر الله، وأخبر أن الكافرين سيندمون على ما صنعوا من آمالهم الدنيوية، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ * ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾[الحجر:2-3]، هذا تهديد وهذا استدراج لهم أن جعلهم الله عز وجل يلهون بالآمال الطويلة التي لا تنفعهم: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾[الحجر:3]، ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾[الأعراف:182-183]، ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾[الأنعام:44-45]، يتحسرون يوم القيامة على آمالهم السيئة، لذا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحذر أصحابه وسائر الأمة عن هذا الأمل الملهي عن ذكر الله وطاعته، ففي صحيح البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل»، فاستفاد ذلك ابن عمر فائدة عظيمة، وكان يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، هذا درس أثر فيه تأثيراً بالغاً حتى قال: ما أمسيت ليلة إلا ووصيتي مكتوبة عند رأسي، لما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه»، فاستفاد ذلك فائدة عظيمة، وقصر آماله، قصر الأمل؛ باعتبار أنها دنيا زائلة، فإن لم يكن موتك اليوم فإذاً غداً وإن لم يكن غداً فبعد غد، فما الفائدة من الطموحات المضرة بالإنسان، التي هي ليست طموحات دينية نافعة، لا في صيام ولا في قيام ولا في حفظ ولا في علم ولا في دين، وإنما هي طموحات لزائل ولفانٍ.
وهكذا أيضاً درس آخر أعطاهم عليه الصلاة والسلام: «خط خطاً مربعاً، وخطاً مستطيلاً خارجاً منه وخطوطاً معترضة، ثم قال: هذا الإنسان وهذا أمله خارج عنه»، أي: عنده آمال بعيدة نطاق قدرته وخارج طوقه ما يدركها، آمال بعيده، «فبينما هو كذلك إذ اعترضه الخط الأقرب، فإن لم يصبه هذا نهشه هذا»، فما يصل إلى آماله أبداً، ليس كل إنسان له آمال دنيوية يصل إلى آماله، لا شك على أنه يحضره الأجل ولم يصل إلى آماله التي أراد، هذا شأن ذوي الآمال الطويلة الدنيوية.
وهكذا رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى عبد الله بن عمرو درساً ومن يسمع وسائر الأمة: «مر وهو يصلح خصاً قد وهى، بيت من القش، من القصب والخشب، فقال: ماذا يا عبد الله! قالوا: قد وهى يا رسول الله، نحن نصلحه، قال: ما أرى الأمر إلا أقرب من ذلك»، يعني: الأمر أقرب من أن يكون أعماركم إلى مستوى أن تفرغوا من هذا البيت وأن يهدم هذا البيت، وبناء البيت الذي يسكنه الإنسان مباح، ولكن هذه كلها دروس من رسول الله صلى الله عليه وسلم للأمة في تقصير الآمال الدنيوية.
طول الأمل الدنيوي هلكة، وأدلة ذلك كثيرة: «فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم».
الملهي الذي يليه: لهو الغناء والمعازف والمطربات والسماعات التي يسمعها كثير من الناس فيلهون بها وينتعشون عليها، وربما أحدهم يصبح عليها ويبيت عليها، هذا ملهي مفسد هذا ممرض للقلوب ملهي عن ذكر الله، لا يجتمع حب الغناء وحب كتاب الله، وحب العلم النافع والدين في قلب رجل أبداً، ذكر هذا أهل العلم وأدلة ذلك كثيرة: «فإن الغناء ينبت النفاق في القلب، كما تنبت البقل في حميل السيل»، لا شك أن هذه بذرة نفاق وبذرة مرض؛ وجود الملهيات وحب الملهيات وحب السماعات والإعراض عن ذكر الله، هذه بذرة نفاق وبذرة مرض.
فالله سبحانه حذر من ذلك فقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾[لقمان:6]، توعدهم الله سبحانه، هذا شأن الكفار الذين كانوا مع القينات وكانوا مع الملاهي، فأخبر الله عز وجل أنهم متوعدون بذلك، فسر ذلك ابن مسعود الذي يقول كما ثبت عنه: لو أعلم أحداً أعلم بكتاب الله مني لركبت راحلتي إليه، ما من آية نزلت إلا وأعلم أين نزلت وفيمن نزلت، ولو أعلم أحداً أعلم بكتاب الله مني، لركبت راحلتي إليه، هذا ثابت عنه، فسره بالغناء، لهو الحديث: الغناء، ثم أيضاً تلميذه عبد الله بن عباس فسرها بهذا التفسير لهو الحديث: الغناء، ثبت عنه ذلك في تفسير ابن جرير وفي غيره، وابن عباس من تعلمون في التفسير أيضاً، مع أنه من تلميذ ذلك البحر ابن مسعود ومن تلاميذ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذ عنه فوق الألف من الأحاديث ومن العلوم النافعة كثيراً، ومن أكابر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فهو الذي قال عنه أبو وائل شقيق بن سلمة: أمر علي بن أبي طالب ابن عباس على الموصل، فخطب الناس، فكان يقرأ سورة النور وفي لفظ: سورة البقرة فيفسرها تفسيراً لو سمعته الروم والديلم لأسلموا، لو سمعه هؤلاء لأسلموا تفسيراً عظيماً، وقال ابن مسعود: نعم ترجمان القرآن عبد الله بن عباس والسند ثابت إليه، فلقبه بترجمان القرآن، قال شيخ الإسلام: وقد عاش بعد ذلك ابن عباس ستة وثلاثين سنة بعد هذه التزكية من ابن مسعود مكثت ستة وثلاثين سنة وهو ينهل من العلوم، فلا شك أنه تحصل على مزيد من ذلك، كيف لو أدركه ابن مسعود في آخر عمره، وقد تحصل على تلك العلوم؟ لا شك أنه أكثر نحو هذا.
الشاهد من ذلك أن هذين الإمامين الصحابيين الجليلين فسراها بلهو الحديث، فهذه بلية تعتبر ومرض على الناس لهو، يلهى به الناس من الملاهي الدنيوية، فالحذر من ذلك الحذر عباد الله.
اللهو الذي يليه أيضاً من الملهيات عن الطاعات: المناظر والبهرج والزينة، فقد ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم أهديت له خميصة، أهداها له أبو جهم وكان ويبيع في البز رضي الله عنه، فصلى فيها فنظر إلى بعض أعلامها فشغلته، فلما انتهى من صلاته خلعها وقال: « اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم وائتوني بإنبجانية أبي جهم » تطييباً لخاطره حتى لا يقول: رد علي خميصتي، فلعل عندي شيء أو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غضبان علي فسلاه أن يأخذ من عنده انبجانية ليس فيها أعلام، كل ذلك حفاظاً على ألا يحصل منه لهو بها، ولا يشغل بالنظر إليها، فالمناظر ملهيات، ورب مسجد تدخل فيه تشغل فيه عن الصلاة، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الزخارف في المساجد وأخبر أن ذلك من علامات الساعة، فهذه المناظر ملهية، وما أمر الله بغض البصر وعدم مد العين، إلا لما يحصل من وراء ذلك من الخلل الديني واللهو عن طاعة الله، قال الله عز وجل: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾[طه:131]، مجرد مد العين لا تمدن عينيك، اغضض عينيك عن زهرة الدنيا، ويا له من توجيه إلهي! فإن الإنسان إذا أطلق بصره إلى الملهيات شغله؛ شغل باله وشغل قلبه عن الطاعات، وقال صلى الله عليه وسلم: «إياكم والجلوس على الطرقات، قالوا: يا رسول الله، مجالسنا ما لنا منها بد، قال: إن أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه، قالوا: ما حق الطريق؟ قال: غض البصر وكفى الأذى ورد السلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، في حدود ما كان الإنسان محافظاً على دينه فيه، وإلا إذا أطلق بصره إلى المار والمارة والرجال والنساء ضعف دينه، ولها عن دينه، وأصبح مشغولاً موسوساً بما هو من أمور الدنيا، سواء بالنساء أو بغير النساء والمناظر وما إلى ذلك، فلهذا أمر الله عز وجل بقصر الأمل وبغض البصر حفاظاً على الدين وبعداً عن الملهيات عن طاعة رب العالمين.
أيها الناس! إن الملهيات كثيرة، ولا شك أن الملهيات لها آثار، فنسأل الله عز وجل التوفيق لما يحبه ويرضى.
الخطبة الثانية:
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله ومن سلك نهجه واهتدى بهداه إلى يوم لقاء رب العالمين.
أما بعد:
فمن آثار الملهيات الغفلة، ما تسلطت الملهيات على شخص إلا وخيمت عليه الغفلة، سواء مما ذكرنا من الملهيات أو من غيرها، لذا قال رب العالمين سبحانه: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾[الأنبياء:1]، ما السبب في هذا؟ الحساب آت وقريب، وكل من مات قامت قيامته، فما السبب في غفلتهم؟ قال: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾[الأنبياء:2-3]، هذا هو السبب الذي سبب لهم الغفلة والقسوة والفتنة، وسبب لهم شروراً كثيرة اللهو، قلوب لاهية ما هي منتبهة للدار الآخرة، ولا لقاء الله عز وجل، يمرض ما ينتبه، يفتن ما ينتبه، يقسو قلبه ما ينتبه ما زال لاهي، هكذا يصاب بالسراء والضراء ما ينتبه.
إذاً: هذه القلوب معاقبة بغفلة، وأيضاً هذه الغفلة لها نتائج أخرى، وهي القسوة: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾[المائدة:13]، هذه القسوة أيضاً والغفلة واللهو لها تركيبات أخرى من الجرائم؛ أنهم ينسون المواعظ والتذكيرات ويتغافلون عنها ما لها أثر، كما ذكر الله عز وجل في الآيات المذكورة: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا * وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾[النساء:66-68]، فلها آثار خطيرة.
من آثارها وأضرارها؛ من آثار اللهو وأضراره الانشغال عن الطاعة وكفى بذلك ضرراً على الإنسان، أن يقبل على الدنيا ويصير عبداً لها ويسخر لها، والناس ينهلون من طاعة الله ويقبلون على عبادته ويدخرون درجات وطاعات يوم القيامة، والله إنها لحسرة، والله عز وجل يقول في كتابه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾[الجمعة:9-11].
فالانشغال عن الطاعة من أضرار اللهو ومن آثاره السيئة على الإنسان، قد حذر الله سبحانه وتعالى من ذلك.
وهكذا البعد عن ذكر الله، والبعد كذلك عن عمارة المساجد، وقد أثنى الله على المؤمنين الذين لم يصابوا ببلاء الغفلة وببلاء اللهو؛ لأنهم يقيمون المساجد ويقيمون ذكر الله: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾[النور:36-37]، التجارة ما هي محرمة، والبيع ما هو محرم، لكن إنما المحرم اللهو عن طاعة الله في ذلك: ﴿لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾[النور:37]، قلوبهم سليمة.
أيها الناس! إن من حصل منه هذا البلاء -بلاء اللهو- من ابتلي به وانشغل به معرض للهلاك، والله سبحانه وتعالى أخبر عن أمم مضوا أنهم هلكوا بسبب ذلك بسبب اللهو، قال الله في كتابه الكريم: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ * الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾[الأعراف:50-51]، هذا اللهو يسبب نسيان رب العالمين؛ أن الإنسان ينسى ربه، وينسى لقاء ربه، ففي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقول الله عز وجل يوم القيامة: يا ابن آدم أكنت تظن أنك ملاقي؟ فيقول: لا، فيقول: فاليوم أناسك كما نسيتني»، ولهذا صار منشوراً عند الناس، فلان: فلان لهم ربه، الهم ربك، وهي كلمة لها أصل، فبعض الناس ينسى ربه سبحانه وتعالى، ينسى ذكره وينسى طاعته ويخلد إلى الدنيا، فهذا هو الهلاك، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا﴾[الأنعام:70]، أي: اتركهم اعرض عنهم: ﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾[الأنعام:70]، أي: سلموا للعذاب، أبسلوا: سلموا للعذاب بكسبهم السيئ وبغفلتهم ولهوهم.
وتأمل هلكة أمم ممن هلكوا ولهو بالدنيا، قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم عن نبيه هود وهو يحذر قومه من اللهو بالدنيا: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾[الشعراء:128-131].. إلى أن قال: ﴿قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ * إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الأَوَّلِينَ * إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الأَوَّلِينَ * وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾[الشعراء:136-140]، فهلكوا بسبب لهوهم بالدنيا والبنايات والمشاغل والإعراض عن طاعة الله، وفرعون يقول: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾[الزخرف:51-52]، الرجل لاهي، الرجل طايش، شغال بالدنيا، ولما عاين الموت: ﴿قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾[يونس:90]، قال الله: ﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾[يونس:91-92]، أي: لهو في غفلة.
وسبأ كانوا في نعمة، لهو عن طاعة الله سلبها الله عنهم: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾[سبأ:15]، يا لها من نعمة! يعني: لا يخرج عن يمينه إلا وعنه جنة وعن شماله جنة فهو بين جنتين، هم بين جنان يعيشون في الجنات: ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾[سبأ:15]، فأعرضوا ولهو بالدنيا ومزقهم الله كل ممزق: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَي أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ * ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾[سبأ:16-17]، وفي الآية قال: ﴿وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾[سبأ:19]، جعلهم شذر مذر، بسبب عدم إقبالهم على طاعة الله وبلوهم بهذه الدنيا وبالفتنة، وهكذا أجمل الله سبحانه وتعالى ذلك بقوله: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾[العنكبوت:38]، قال الله في الآية: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾[العنكبوت:40].
احذروا الملهيات عن الطاعات عباد الله، فإنها والله ما حصلت نكبة في الدنيا، بل ولا ضرر في الآخرة إلا بسبب ذلك: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ﴾[الشورى:30]...






المادة الصوتية من هنا