بسم الله الرحمن الرحيم

[ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا] الآية 
الأحداث الكاملة عن مقبرة إخواننا الشهداء - فيما نحسبهم - في دماج


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه
أما بعد

يقول الله تبارك وتعالى " سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ" 
ويقول الله تبارك وتعالى " سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53) "

ويقول الله " إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (51) "
ويقول الله " وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (126) "


ومن فضل الله على أهل السنة كلما ألمت بهم ملمة، أن يربط على قلوبهم ويهيأ لهم من الأسباب ما يهون المصائب عليهم
وفي 
دار الحديث بدماج لازال الطلاب وشيخهم على العلم مقبلون، وبالحق قائلون، ولم يعبئوا كثيراُ بالهجمة الشرسة التي تشن على دار الحديث بدماج ، وإن كانت بعض العبارات أشعرتنا بكثير من الحزن، ومنها قول الشيخ ربيع وفقه الله أن حرب الرافضة وما حصل لنا فيها كان عقوبة من الله، ولقد تأثر الإخوة كثيراً والشيخ يفند هذه الدعوى، وسالت دموع العين تترى، بل أجهش بعضنا بالبكاء.
كيف وطيف ذكراهم لم يفارق مخيلة أحدنا، وقد انصرمت السنة ونصفها بَعدَ بيننا ؟؟؟
ومما من الله به علينا في هذه المحنة أن أرانا حق اليقين سبيل إخواننا، مع أن الشك في كونهم في سبيل الله لم يخالج نفوسنا.
اليوم الأول يوم السبت: فبينا الاخوة منشغلون، لبيوتهم، من أثر السيل يرممون، إذ فجأهم الخبر بأن قبور بعض الإخوة الشهداء قد تهدمت فهبوا لساعتهم زرافات ووحدانا، ووجدوا بعض القبور قد تضررت، فاضطروا لحفرها آسفين، وأخرجوا من فيها من المقبورين، وكانت عدتهم أحد عشر رجلا، وطفلة رضيعة، فاعجب حين تسمع ما رأينا- والله شهيد على ما نقول مطلع علينا- فو الله ما فتئنا نعجب، وألسننا بالتسبيح تلهج: 
فالقبر الأول أخرجوا منه طه الليبي، وعدنان – أحسبه تعزي- وكان أحدهما يقطر منه الدم.
وكلاهما قتل في هجمة الأربعاء على متارس الحوثيين
وأحمد إدريس السوداني، كشفت عن وجهه، فرأيت وعرفت كثيراً من ملامحه، 
فها هي لحيته أمام ناظري، وعمامته ملفوفة على رأسه، تحسست يده ورجله فإذا هي غضة طرية، وكأنه قبر الساعة، حنى مفصل ركبته يدور ويتحرك تحت أصبعي كمفصل ركبتي، وثيابه لم تبلى ولم تتمزق.
حتى الرضيعة التي لا يجوز طولها الشبر إلا بقليل تحسست عظامها ولحمها.
وأما أبا حفص عمر العراقي فاعجب له، والله إن اللحم في وجهه وعلى وجنتيه، لم يتآكل إلا اليسير من أرنبة أنفه، ولحيته الكثة تملأ صدره.
ومنير الإبي تتحسس اللحم في مأبضه، ولم تتهتك بشرة جلده
والسمة المشتركة بينهم جميعاً أن أجسادهم سليمة لم تتحلل، ورائحتهم والله غير مؤذية، لا دود فيهم، ولا البلى يغطيهم
و والله الذي لا إله إلا هو لقد باشرت أجسادهم بيدي بغير حائل، عدة مرات وأتشممها مرة بعد مرة علني أجد فيها ريح كريه، فلا والله ما وجدت شيئاً من ذلك.
بل أعجب من ذلك أن إخواننا الذين قتلوا في هجمتهم على الحوثة يوم الأربعاء، لما جيء بهم إلى الضيافة وذهبنا لرؤيتهم، كانت رائحتهم مزعجة بسبب ما صبه الرافضة -لعنهم الله- على جثثهم من المواد الكيماوية، ومع ذلك فحين أخرج عادل الباكستاني وطه الليبي، والله لم تشم منهم حتى تلك الرائحة .
لهجت الألسن بالذكر، ونزلت على القلوب السكينة، وشعر الجميع بالراحة والسرور والاطمئنان، نعم هيجت الرؤيا الذكرى، ولكن قلنا هنيئاً لهم، لمثل هذه الميتة فلنعمل.
استمر العمل حثيثاً إلى صلاة المغرب، وصلى أحد الإخوة بنا في مكان العمل بجنب المقبرة، فقرأ من آل عمران بقوله تعالى :
" وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ " وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (171) الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (172)
الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174) إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (175)"


كانت تلاوة الأخ سليمان المالي مؤثرة لاسيما هذه الآيات وكأنها نزلت الآن، فلا غرو إذن أن تجد لصدور الإخوة أزيز كأزيز المرجل، انتهى اليوم الأول وطلبة العلم يمنون أنفسهم بمزيد من الأجر إذ تقرر نقل الإخوة الشهداء- فيما نرجو- جميعاُ إلى هذه المقبرة الجديدة التي أوقفها العم محمد دبوان الوادعي وأخوه- شكر الله لهما وغفر لهما- وأراد الشيخ يحيى أن يكون كل واحد من قتلانا في قبر بمفرده احسانا إليهم كما أحسنوا إلينا، فوافق مراده مرادنا وهواه هوانا، والحمد لله.

اليوم الثاني يوم الأحد: أقبل الإخوة من الصباح الباكر إلى المقبرة الجديدة، يجهزون القبور لنقل إخوانهم إليها، وصار المكان كخلية النحل، هذا يحفر وذاك يلحد، وآخر يقرب الأحجار، وسيارة تأتي بالماء، وأخرى باللبن، وبينا نحن كذلك إذ جاء ابناء العم أحمد بن صالح بجثة الأخت سلوى الوادعية، والتي قنصها الرافضة بلا رحمة أمام مسجد النساء، لم يسعنا الاقتراب ولكنني بعد الدفن أسرعت أتلمس الخبر، فأخبرني أحد أقربائها بأن جرحها كان يثغب دما، ورأيت الدم بعدُ في المنديل، ورأيت على المحفة التي نُقِلت بها دماُ ولمسته بيدي فإذا هو أحمر قاني وكأنما جرحت الساعة.
وقرابة الظهيرة كان الإخوة قد انتهوا من حفر بضعة عشر قبرا، وانتقل العمل إلى المقبرة القديمة، وكنت أساعد الإخوة الذين حفروا قبر الأخ مبارك الليبي رحمه الله، ولم يكن الأمر يسيراً، فإن القبر كان قد تهدم عليه والذي دُفن معه، ولما وصلنا إلى الكفن، هالنا ما رأينا، فقد وجدنا أن قبور إخواننا تسربت إليها مياه الصرف الصحي من البيوت المجاورة، قعدت على الأرض والأسى يعتصر قلبي، سنة ونصف والبيارة تأكل في أجساد إخواننا ونحن لا ندري ولا نشعر, قلصت عيني فما أحس دمعة. 

وتذكرت رؤيا قد رأيتها قبل سنة تقريباً...
رؤيا عجيبة!
فقد رأيت في منامي بعد صلاة الجمعة، الأخ أحمد السوداني الذي قتل في الحصار شهيداً فيما نحسبه، رأيته جالساً وكأنه قام من النوم، ثائر الرأس، وكأن فوقه ترابٌ، سلمت عليه فرد عليًّ السلام ثم قال لي باللهجة السودانية وهو مغضب:" ياخي القمامة فوق راسنا وانتو ما تتفقدونا ولا تزورونا؟ " ، قمت من النوم متعجباٌ وبعد درس العصر ذهبت للمقبرة
وظننت أن القمامة التي أرادها، أكياس ممزقة، وزجاجات فارغة كانت فوق قبورهم، فمررت بين القبور أجمعها في كيس كان معي، وإذا بقدمي تغوص في الأرض الرطبة خلف أحد القبور، نظرت حولي مدهوشاً، من أين جاءت هذه الرطوبة وليس هناك مطر، درت إلى البيوت خلف الجدار فرأيت الأرض مبتلة، سألت بعض الجيران فأخبرني أن البالوعة كانت قد انسدت طيلة ثلاثة أيام مضت، وطغت مياه المجاري فوق الأرض، عدت مسرعا إلى المقبرة وقد بدأ الأمر يتضح، وحفرت أمام ذلك القبر فوجدت مياه المجاري الآسنه قد تسللت إلى المقبرة من بين الأحجار، لم أشك للحظة أن هذا قبر أحمد- وكنت لا أعرف مكانه فقد دفن في غيابي-، ولم أشك أيضاُ في أن هذا تأويل رؤياي ، وأن هذه البيارة هي القمامة التي قصدها أحمد، استعنت ببعض الإخوة المغاربة وجئنا في الصباح الباكر فحفرنا أمام القبر حتى ظهر الأساس وسددنا الفجوات بين الحجارة بالأسمنت حتى اطمأننا إلى عدم حدوث تسرب من هذه الجهة مرة أخرى بإذن الله، وأخبرت الشيخ يحيى بما جرى، فاهتم جداً, وقال هذه رؤيا حق، وانبئت أنه زار المقبرة بعدها مرة واطمأن للوضع، وكنت أزور المقبرة فأجد الأرض جافة والأمور من الخارج طيبة لاسيما مكان العمل، ولكن أراد الله أمراً، و...

...: هيا نخرج مبارك، انتبهت فزعاً مما كنت أفكر، فإذا الإخوة قد خلصوا جسد مبارك مما حوله من التراب، رفعوه بتؤدة، وتناولناه برفق، فوضعناه على المحفة، وتحسسته فوجدت اللحم مازال يكسو جسده مع أننا لم نكشف عن وجهه، لأن الكلاب كانت قد أكلت منه بعد قتله، استمر العمل وجماعة يخرجون القتلى وآخرون يحملونهم إلى السيارة إلى المقبرة الجديدة، فيدفنون هنالك، وبعد أن أخرجنا عثمان السوداني انتقلت لدفنه مع اخواني السودانيين إلى المقبرة الجديدة.
وبعد دفن الأخ عثمان، أتوا بجثة الأخ سفيان الجزائري الفرنسي، والأخ أحمد الفزاني الليبي، ورأى سفيان أكثر الموجودين، وأعجب ما رأوا منه شعره وأخبرني الأخ فيصل الجزائري أنه كان ناعماٌ كالحرير يلمع، وكأنه في قبره يمشطه ويرجله، وقد نظرت رجله فرأيت الشعر لازال يغطيها، وأحمد الفزاني أخبرني صلاح وعصام وسالم الليبيين، أنه كيوم دفن، وكأنه نائم، وقد رآهما الشيخ يحيى حفظه الله، وما برحنا حتى أتوا بالأخ عبد الرزاق الصومالي رحمه الله،
وكان في هيئة حسنه، وإن جوربيه جديدان، لم يبليا ولم يخلقا، وبعد صلاة المغرب وقد ذهب أكثر الناس، أٌتي بالأخ اسماعيل الجزائري، عرفه الأخ نصر الجزائري فور رؤيته، ونظرته متمعناً فعرفته، لحيته الصغيرة، ملامحه المميزة، كوته الضخم، وكسائر اخوانه لم تكن له رائحة، ودفناه وبعد انصرافي أتي ببدر العودي ومصطفى البيضاني بعد العشاء، وقد أخبرني الأخ سفيان المغربي أنه رأى الأخ بدر العودي ولحيته في وجهه كما هي، ورآه كذلك أبو الزبير وأيمن الليبي، والأخ صالح البيضاني، ويحيى البيضاني رأوا مصطفى البيضاني رحمه الله، وكانت هيئته طيبة، وبدفنهما يكون قد انتهى عمل اليوم الثاني ونكون قد دفنا ثلاثة وثلاثين جثة، ومجموع اليومين خمسة وأربعين جثة.
قال لي الأخ أيمن الليبي: أصحاب هجمة الأربعاء، وجوههم ليس فيها لحم، بسبب ما صبوه عليهم من الكيماويات، أما شعورهم ولحاهم فكما هي، وأما باقي أجسامهم فاللحم يكسوها وجلدهم طري ومفاصلهم لينه واجسامهم ثقيلة، وهذا شيء غريب فإن أكثر القتلى قد جفت جلودهم ، أما قتلى الأربعاء فجلودهم غضة لينة، ومحمد الشبان حملته وكان ثقيلاً.
اليوم الثالث يوم الاثنين:
بدأ العمل كالعادة في المقبرة الجديدة، ورأى الإخوة أن يتموا حفر القبور بها، ثم ينتقل العمل للمقبرة القديمة، وحضر في هذا اليوم وفود جمة من صعده وما حولها، وبعض الحوثيين حضر ذلك اليوم ورآهم إخواننا وعرفهم بعض أهل البلاد، بل قال أحدهم إنه لن يقاتل مع الحوثيين بعد ما رأى .
وبعد صلاة الظهر وانتهاء حفر القبور، انتقلت للعمل في المقبرة القديمة مع الأخ أيمن الليبي وبعض إخواني، وبقي بعضنا في المقبرة الجديدة تحت اشراف الأخ فيصل الجزائري، وتم إخراج جثث الإخوة ، وجلهم إن لم يكونوا كلهم من أصحاب هجمة السبت غرة محرم، وكنا من أخرجناه أبقيناه مكانه حتى ننقلهم جميعاً، إلا بعض الإخوة أخذوا لينظرهم الناس في المقبرة الجديدة، منهم الأخ عبد الرحمن الأمريكي، وقد رآه كثير من الناس ولحيته الصفراء الجميلة تكسو وجهه، وشعره الكث يغطي ذراعيه، ولما خرجنا لصلاة العصر قعد بعض الزوار عند باب المقبرة يخزنون القات، فقيل لهم: صلاة العصر، فقالوا: صلينا صلينا، مضى الإخوة يهزون رؤوسهم متعجبين إذ كيف صلوا العصر ولمَّا يدخل الوقت، واستمر العمل إلى قبيل المغرب، ونظرت إلى جثة عبد الملك العزاني، وكان بحالة طيبة، ورأيت أبا يونس الإبي لحيته في وجهه، واللحم في وجنته ورأيت أحمد الأمريكي، فعرفته ببشرته السمراء، ولحيته التي تكسو عارضيه، ورأيت هشام الماليزي فعرفته أيضاً، ومن عجيب ما حدث أن الأخ مسعود الجزائري، وهو يلمس وجنة هشام بأصبعه التصق به شيء يسير من جلده بغير قصد وبقي أثر الجلد في أصبعه، فو الله لقد ألصقت أصبعه بأنفي ولم أشم أي رائحه، وقد كان معي عدد ممن شهد ذلك منهم الأخ سفيان المغربي، وحملنا هشام ثلاثة نفر، فو الله لقد كان ثقيلاً حتى كدنا نعجز عنه.
رؤيا عجيبة أخرى:
وبعد أن نقلنا أكثر القتلى طفقت أحدث أبا علي عبد الله الليبي، برؤيتي التي رأيت قبل سنه، فقال لي: وأنا والله لقد رأيت مبارك الليبي رحمه الله في منامي قبل أربعة أشهر، وبيننا صنبور يسكب ماءً، فقال مبارك: أغلق هذه الحنفية فإنها تؤذيني، قال أبو علي: حاولت إغلاقها فلم استطع وقلت لمبارك سأغلقها فيما بعد بإذن الله.
قلت له متعجباً: وكيف فعلت، هز أبو علي رأسه آسفا وقال :سألت بعض من يؤول الرؤى فقال لي لعل بعض الناس يتكلم فيه .
فو الله إن هذه لآية أخرى أن الإخوة كانوا يتأذون من مياه المجاري سنه ونصف السنه، ومع ذلك لم تتآكل أجسادهم مع ما هو معلوم من شدة تأثير مياه المجاري على العظم فضلاً عن الجلد واللحم.
وانتقلت للمقبرة الجديدة بعد المغرب وسألت فيصل الجزائري عما رأى فأخبرني أنه رأى سيف العودي والحناء لاتزال في لحيته، ورأى أحمد العسكري والغصيني بحالة طيبة، ورستام أبا محمد الروسي، وأكثر الإخوة قد رآهم واللحم على أجسادهم، ولحاهم في وجوههم وكأنها ممشطة مرجلة، وليست لهم رائحة، وبنحو ذلك أخبرني صلاح الليبي، 
وحدثني أبو الزبير الليبي بأن أصحاب هجمة السبت كانت اسماؤهم مكتوبه على الكفن، وبقيت كما هي حتى أخرجناهم، ولم تُشم منهم رائحة.
وبنهاية هذا اليوم الثالث تم بحمد الله نقل جميع الإخوة الشهداء فيما نحسبهم للمقبرة الجديدة، وعدد القبور سبعة وسبعين، وأحد القبور فيه يدٌ فقط.
اليوم الرابع, يوم الاثنين إلى يوم السبت:
تبرع بعض أهل البلاد -جزاه الله خيراً- بألفي قطعة من الأسمنت لبناء سور المقبرة، وقام الاخوة بحفر الأساس، وجعلوا البناء الاسمنتي في ارتفاع نصف متر تقريباً، وفوقه سور من الشبك، ولم يبق حتى اللحظة من العمل إلا اليسير.

خاتمة:
ومن طريف ما حصل أثناء اليوم الثالث أن الأخ جلال الليبي أوقف السيارة في المقبرة الجديدة، وتدفق الناس بالمئات لينظروا الجثة، فخاف جلال على جثة الأخ، فما كان منه إلا أن أدار السيارة وفر به هارباً، واقترح فيصل بعدها أن تمشي السيارات الهوينى والناس على جانبيها ينظرون، فسارت الأمور على ما يرام.
ومن الطريف أيضاً أن الأخ صلاح الليبي رأى مبارك رحمه الله في المنام فجر اليوم الأول قبل أن نعلم بأمر انهدام القبور، وكان يلبس كوتاً جديداً ويحمل كيساً ووجهه متهلل وهو ينظر يميناُ وشمالاً، قال لي صلاح: لعله كان فرحاً بقبره الجديد.
- وسمعت بعض أهل البلاد يقول:" لقد نصرنا الله بهؤلاء الإخوة مرتين، مرة وهم أحياء أمام الرافضة، ونصرنا بهم وهم أموات أمام المشايخ".
- ورأى عدةٌ منهم صلاح الليبي عدداً من العوام لما رأوا جثث الإخوة، يرفعون أصواتهم بالتهليل، وتأثروا تأثراً بالغاً.

فالحمد لله على منه وكرمه، ولا نغلوا في إخواننا ولا نقطع لهم بالجنة، ولكن نرجو لهم الخير، لا سيما وقد أرانا الله منهم خيراً أحياءً وأمواتاً، فهذا ما انتهى إليه علمي في تلكم الحادثة، زبرته مفصلاً ليكون عبرة للمعتبرين، والحمد لله رب العالمين.

قال الله جل وعلا: "إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (38) أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (41)"

فرحم الله إخواننا رحمة واسعة، وأدخلنا في مستقر رحمته، وسلمنا وشيخنا ودارنا من كل سوء ومكروه .

ربما سربل الفؤاد ظلامٌ وأقضت مضاجعي الآلامُ 
جزعٌ في الفؤاد والسعدُ آتٍ حبلى بأسرارها الأيامُ


وكتب: أبو الأرقم السوداني النوبي
عفا الله عنه وعن والديه بمنه وكرمه

السبت/17/6/1434


سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت
أستغفرك وأتوب إليك.